قبل فوات الأوان
رأيتك جالسا على ذلك الكرسي القابع وسط رصيف شارع مزدحم بالسيارات ، و لطالما حلمت بالجلوس عليه بعد أن تتعرى المدينة من ناسها ليلا ..تبدو وكأنك أنهيت عملك في تلك الجريدة التي اعتدت قراءتها منذ طفولتك وكرهت عملك فيها منذ يومك الأول بحجة رفضهم نقل أخبارك التي ترهق التواقين للانكسار ..
كنت كمن يكتب الفصل الأخير في روايته..
وأنا حسبت نفسي اشاهد المشهد الأول من فيلم صغته أنت على هواك، لم يكن فيه سواك ..
تذكرتك كم كنت تتوق للجلوس على ذلك الكرسي حين عملت في تلك الجريدة ، لكنك لك تكن لم تجرؤ على ذلك .. كان مجرد جلوسك عليه حلم يراودك رغم أنه ، أي الكرسي ، كان اقرب إليك من نفسك ..
كنت تخشى في غيابك غير المضطر ، إن جلست عليه ، أن تفوتك لحظات احتياج آخرين إليك …
وها آنت اليوم تجلس عليه ، لكن .. مضطرا !
قلت لي لم يبق سوى صفحات معدودة عليك أن تخط على بياضها ثرثرة قد لا تجدي سوى لإكمال الفصل الأخير.. الأهم أنه ستكتب روايتك بنفسك ودون مساعدة من أحد.. وبدون أن يراك أحد سواي ، وأنك ستنتصر لنفسك هذه المرة !
كنت شديد التوتر ، خائفا .. كما الهارب من شيء ما وتخاف أن يدركك أحد ما …تلتفت حولك ، تنظر في عيون الناس وأنت تكتب .. لم يكن هناك على الرصيف أحد سواك ..
لم تكن سوى مجرد كاذب يقارع تفاصيل حياته التي اعتادها الملل .. لم تكن تواقا للتمرد ، بقدر ما كنت تتوق للصراخ ، ليس لترتاح بل لتؤرق نفسك أكثر فأكثر ..
أتذكر في يوم ما ..سمعت رنة هاتفك الخلوي، قفزت مذعورا قلت لي يومها " لا بد أنه هو !!" لم أعرف عمن كنت تتحدث .. رفعت هاتفك لكنك باغتّ نفسك بخوف من تلك المكالمة .. رغم أنك كنت تنتظره !.
صرخت بأعلى صوتي " لما لا ترد على الهاتف؟! "
" يا هذا الطارق تمهل " قلت وكأنك تسمع قرعا عنيفا على باب منزلك …
كنت تتمنى ذلك الهاتف من بعيد .. أنت تخشى الاتصال به ..
لكنه لم يأتي .. ولم يكن من أحد على الهاتف …
فتبادر إلى ذهنك أن تكتب وصيتك قبل فوات الأوان ، رغم شعورك بأن الأوان لم يفت بعد ، أو الأصح لاتعرف إن كان قد حان الأوان … سألتني ، بصيغة الغائب ، " لماذا يتشوق لكتابة وصيته وكأنه يستشعر بالموت يتربص به، على الرغم من انه لم يتجاوز الثلاثين من عمره بعد ؟"… وكأنك تسألني عن أحد آخر غيرك .
ها أنت تعود مجددا لترهاتك الفكرية والنفسية .. وهذه المرة وكأنك تبحث لموتك حين يأتيك عن وصية ، لتجعل لموتك معنى وتبرر فعلتك إن استبقت الخطوات إليه ..
لكنك وقبل سماع الإجابة .. بادرت بالقول " على أن أنهي الفصل الأخير من الرواية ، سأتقمص ذلك الرجل الذي يبحث لنفسه عن وصية ، علني أكمل الفصل الأخير" .. كان حين وجهته سؤالك لي ، قد بدأ بكتابة وصيته ، والآن يبحث عن وصية ؟!
كنت قد استلهمت عبارتك السابقة ، حول الرجل الذي يريد ان يكتب وصيته قبل فوات الأوان ، دون وعي منك بما تقول ، بحسب زعمك، من فيلم شاهدته، أو أنك تعرف ذلك الرجل …
يومها اقسمت لي أنك تكاد تعرف ذات الرجل الذي يريد أن يكتب وصيته قبل موته ، او انك قد شاهدت ذلك المشهد في فيلم ما حضرته ذات مساء عاصف بأفكارك المتلاحقة دون حاجز بينها وبين تفاصيل الفيلم الذي كنت تشاهده.. وأنك ستضيف المقطع التالي: "هجرته عشيقته.. كانت تريد كل الأشياء ، بينما هو لم يكن يريد شيئا فقد سئم كل الأشياء .. لذا قرر أن يبحث عن خلاصه، وأن يكتب وصيته قبل فوات الأوان ، ليعرف الناس الحقيقة!"
يومها أجبرت نفسي كما اعتدت، حين أراك ضائعا ، أن أبوح لك بما تحب سماعه وبكلمات بسيطة "تبدو الحدود ملتبسة بين الحياة والموت بالنسبة له ، ما






































باتت عمان تعني لي الكثير منذ وقّعت عقد عمل سيحملني الى العمل في بلد نفطي. صرت أراها كل صباح تبتسم لي وتدعوني الى البقاء، وكأن كل شيء تغير فجأة… لم تعد عمان مكاناً بل أصبحت أماً رؤوماً تعتب علي، وتلومني لرحيلي المرتقب.
